محمد الغزالي

42

فقه السيرة ( الغزالي )

وذلك سرّ تضييقه على الرواة المكثرين ! . لقد روى ابن حزم قرابة ألف صفحة من الأحاديث في الوضوء ، ولمن شاء أن يتوفر على هذا اللون من العلم ، لكن شغل عامة المسلمين به حمق ! فماذا يبقى بعدئذ للقران نفسه ؟ ! بل إن شغل المسلمين بالقران على هذا النحو ليس من الدين ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اقرؤوا القران ، ولا تغلوا فيه ، ولا تجفوا عنه ، ولا تأكلوا به » « 1 » . وإن يكن لهؤلاء الحفّاظ فضل فلأنهم حملوا العلم إلى من يحسن الإفادة منه . على نحو ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام : « ربّ حامل فقه ليس بفقيه ، ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » « 2 » ، عن أبي يوسف قال : سألني الأعمش عن مسألة وأنا وهو لا غير ، فأجبته ، فقال له : من أين قلت هذا يا يعقوب ؟ فقلت : بالحديث الذي حدثتني أنت ! ثم حدّثته ! فقال لي : يا يعقوب ، إني لأحفظ هذا الحديث من قبل أن يجتمع أبواك ، ما عرفت تأويله إلا الان ! ! . وقد يبصر أبو يوسف « 3 » الفقيه ما يغيب عن الأعمش « 4 » الحافظ ، ولكن المحذور ليس في الحفظ بلا فهم ، بل أن يفهم الأمر على غير وجهه . والترتيب الفني للسنن - كما دوّنت وتلقيناها - يجعل ما ورد في الإيمان بابا ، وما ورد في القضاء بابا . . . وهكذا . . . ولما كان الإسلام جملة هذه الحقائق ، فإنّ السنّة أصبحت كمتجر كبير للملابس وزعت فيه أنواعها على مختلف الجوانب ، هنا أغطية الرأس ، وهنا سراويل ، وهنا قمصان ، وهنا حلل سابغة . . . إلخ . والطبيعي أن من يريد كسوة كاملة يمرّ بهذه الجوانب كلها ليأخذ ما يغطيه

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه أحمد : 3 / 428 - 444 ؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار : 2 / 10 ، من حديث عبد الرحمن بن شبل مرفوعا ، وسنده صحيح ، وقوّاه الحافظ في الفتح : 9 / 82 . ( 2 ) حديث صحيح ، رواه ابن عبد البر : 1 / 39 ؛ وكذا أصحاب السنن ، والدارمي ، وأحمد في حديث لزيد بن ثابت ، وسنده صحيح ، وصحّحه ابن حبان ، وابن حجر وغيرهم . ( 3 ) هو يعقوب بن إبراهيم ، أبو يوسف القاضي ، قاضي الرشيد ، وأجلّ تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى ، توفي سنة ( 182 ه ) ، له كتاب ( الخراج ) ، و ( الآثار ) . مقدمة الخراج . ( ن ) . ( 4 ) هو أبو محمد سليمان بن مهران الكاهلي ، أحد الأئمة الأعلام ، توفي سنة ( 148 ه ) . الكاشف : 1 / 464 . ( ن ) .